التبرع بالأعضاء رأس الفضائل …
من مظاهر تكريم الإسلام للإنسان أنه اعتبر جسمه أمانة ائتمنه الله تعالى عليها، فهو الذي خلقه فسواه فعدله، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيه بما يسوؤه أو يرديه حتى ولو كان هذا التصرف صادرا من صاحب هذا الجسم نفسه، ولذا حرمت الأديان السماوية والقوانين الوضعية إتلاف البدن، وإزهاق الروح عن طريق الانتحار أو ما يؤدي إليه.
وبناء على كل ذلك فقد اتفق المحققون من الفقهاء على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع
عضوا من أعضاء جسده، أياً كان هذا العضو، وذلك لأسباب متعددة أهمها: أولا: أن جسد الإنسان وما يتكون منه من أعضاء ليس محلا للبيع والشراء، وليس سلعة من السلع التي يصح فيها التبادل التجاري.
وإنما جسد الإنسان بناء بناه الله تعالى وكرمه وسما به عن البيع والشراء، وحرم المتاجرة فيه تحريما قاطعا، لأن بيع الآدمي أو بيع جزء منه باطل شرعا لكرامته بنص القرآن الكريم الذي يقول: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.
وقد اتفق الفقهاء على بطلان البيع والشراء بالنسبة لبدن الإنسان، أي لأي عضو من أعضائه.
ثانيا: أن الإنسان أمين على هذا الجسد، ومأمور بأن يتصرف في هذه الأمانة بما يصلحها لا بما يفسدها، فإذا تجاوز الإنسان هذه الحدود وتصرف في جسده بما يتعارض مع إصلاحه كان خائنا للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وكان تصرفه محرما باطلا، لأنه تصرف فيما ائتمن عليه تصرفا سيئا يدل على رقة الدين، وسفه العقل وحمق التفكير.
ثالثا: لا يقال إن من القواعد الشرعية القاعدة التي تقول: “الضرورات تبيح المحظورات”، وبناء على ذلك يجوز للإنسان أن يتصرف في جسده عند الضرورة.
فنحن نقول في الرد على هذا القول: إن التصرف عند الضرورة إنما يكون في حدود ما أحله الله وفضلا عن ذلك فإن هذه القاعدة مقيدة بقواعد أخرى تضبطها، ومن هذه القواعد: “الضرر لا يزال بالضرر” أي: أنه لا يجوز إزالة الضرر بضرر يشبهه أو يزيد عليه، ولذلك قالوا: لا يجوز للجائع مثلا أن يأخذ طعام جائع مثله عن طريق السرقة، أو ما يشبهها، كما أنه لا تفرض نفقة على الفقير لقريبه. ومما لا شك فيه أن بيع عضو من أعضاء الجسد أياً كان هذا العضو يمثل ضررا شديدا لبدن الإنسان، وهذا الضرر يزيد على ما يتعرض له الإنسان من فاقة أو عسر، أو احتياج لأن هذا الاحتياج هناك وسائل تدفعه، منها: مباشرة الأسباب المشروعة للحصول على الرزق.
وقد يسأل سائل فيقول: إن كان بيع الإنسان لعضو من أعضائه باطلا ومحرما شرعا، لأن جسد الإنسان وأعضاءه ليست محلا للمتاجرة فيها، فهل الأمر كذلك بالنسبة للتبرع أو للهبة بأن يتبرع الإنسان بعضو من أعضائه لشخص آخر محتاج إليه؟
والجواب على ذلك أن بعض العلماء لا يفرق بين الحالتين، وإنما يرى أن كليهما غير جائز، سواء أكان عن طريق البيع أم عن طريق التبرع، لأن التبرع إنما يكون فيما يملكه الإنسان والمالك الحقيقي لجسد الإنسان هو الله سبحانه وتعالى، أما الإنسان فهو أمين على جسده فقط ومطلوب منه أن يحافظ عليه مما يهلكه أو يؤذيه. ويرى جمهور الفقهاء: أن التبرع بعضو أو بجزء من إنسان حي لإنسان آخر مثله جائز بشروط من أهمها:
أن يصرح الطبيب أو الأطباء الثقات بأن نقل هذا العضو من شخص إلى آخر لا يترتب عليه ضرر بليغ بالشخص المتبرع، وإنما يترتب عليه إنقاذ حياة الشخص المتبرع له، أو شفاؤه من مرض عضال. ونحن نميل إلى هذا الرأي، لأن التبرع قلما يصدر عن الإنسان إلا في أشد حالات الضرورة، وقلما يكون إلا لشخص عزيز على هذا الإنسان المتبرع، ولأن المتبرع ما فعل ذلك إلا بقصد تقديم منفعة عظيمة لغيره مبتغيا بها وجه الله تعالى.
وقد يقال: إن جسد الإنسان ليس ملكا له، وإنما هو ملك الله تعالى وما دام الأمر كذلك فلا يصح للإنسان أن يتصرف في ما لا يملكه بالبيع أو بالتبرع.
ونحن نقول: إن الكون كله ملك الله تعالى وليس جسد الإنسان وحده، ومع ذلك فقد أباح الله سبحانه للناس أن يتصرفوا في ما يملكه عز وجل بالطريقة التي ترضيه.
ولا شك أن فضيلة الإيثار ودفع الأذى عن الغير، على رأس الفضائل التي يحبها الله عز وجل، ويكافئ أصحابها بما يستحقونه من ثواب جزيل.
هذا ويدخل تحت هذه القاعدة، وهي حرمة بيع شيء من أجزاء الإنسان، ما يتعلق بالدم فإنه لا يجوز بيعه، لأنه باطل شرعا.
أما التبرع به فهو جائز، لأنه كما يقول أهل الخبرة من آثار الذات وليس من أعضائها بدليل أنه يتغير ويتجدد، ويستعيض الإنسان ما فقده منه.
 |
|